تفسير سورة القلم

- ‎فيجزء تبارك
9159
0

سورة القلم

١ ﴿ن حرف من حروف الهجاء، كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفتتحة بذلك ﴿وَالْقَلَمِ أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان، وهو واقع على كل قلم يكتب به ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ أي: ما يكتبه الناس بالقلم من العلوم.

٢ ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ أي: إنك يا محمد بنعمة الله التي أنعم بها عليك، وهي النبوة والرياسة العامة، بريء من الجنون.

٣ ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا أي: ثوابًا على ما تحمَّلت من أثقال النبوّة، وقاسيت من أنواع الشدائد ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ أي: غير مقطوع، أوْ: لا يُمَنُّ به عليك من جهة الناس.

٤ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ المعنى: إنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن، ثبت في الصحيح عن عائشة أنها سئلت عن خلق النبيّ ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن.

٥ – ٦ ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: تبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحقّ وانكشف الغطاء، وذلك يوم القيامة مَنْ مِنَ الطرفين هو المفتون بالجنون، وهذا ردٌّ على زعمهم أن محمدًا ﷺ كان مفتونًا ضالاً، ولذا قال:

٧ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ أي: يعلم من هو في الحقيقة الضال، أنت أم من اتهمك بالضلال، والمعنى: بل هم الضالون، لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم فيهما ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ إلى سبيله الموصل إلى تلك السعادة الآجلة والعاجلة.

٩ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ المعنى: ودّوا لو تلين لهم فيلينون لك. وقيل: المعنى: ودّوا لو تركن إليهم، وتترك ما أنت عليه من الحق، فهم يدهنون أي يظهرون لك الملاينة لتميل معهم.

١٠ ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ أي: كثير الحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ حقير.

١١ ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ الهمّاز الذي يذكر الناس بالشر في وجوههم، واللمّاز الذي يذكرهم في مغيبهم، والمشّاء بنميم الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم.

١٣ ﴿عُتُلٍّ هو الشديد الخَلْق الفاحش الخلُق. وقال الزجاج: هو الغليظ الجافي ﴿بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ أي: هو بعد ما عُدَّ من معايبه زنيم، الزنيم: الدعيّ الملصق بالقوم وليس هو منهم.

١٤ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ المعنى: لا تطعه لماله وبنيه، وقيل: المراد به التوبيخ والتقريع، حيث جعل مجازاة النعم التي خوّله الله من المال والبنين أن كفر به وبرسوله وآياته.

سورة القلم

١٦ ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ أي: سوف نجعل له الوسم بالسواد على أنفه، وذلك أنه يسوَّد وجهه بالنار قبل دخول النار فيكون له على أنفه علامة ، ونُلْحِق به شينًا لا يفارقه يعرف به.

١٧ ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ يعني: كفار مكة، فإن الله ابتلاهم بالجوع والقحط بدعوة رسول الله ﷺ عليهم ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ المعروف خبرهم عند قريش، قيل: كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء حديقة لرجل يؤدي حق الله منها، فمات وصارت إلى أولاده فمنعوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها، وقالوا: المال قليل، والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قصّ الله في كتابه ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ أي: حلفوا أنهم سيقطعون ثمرها عند الصباح.

١٨ ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ يعني: ولا يقولون: إن شاء الله، وقيل: المعنى: ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدرَ الذي كان يدفعه أبوهم إليهم.

١٩ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ أي: طاف على تلك الجنة من جهة الله سبحانه نار أحرقتها حتى صارت سوداء.

٢٠ ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ أي: كالبستان الذي قد صرمت ثماره، أي: قطعت فلم يبق فيها من ثمرها شيء.

٢١ ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ لما أصبحوا قال بعضهم لبعض:

٢٢ ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ اخرجوا مبكّرين في الصباح إلى الثمار والزرع قبل مجيء الفقراء.

٢٤ ﴿أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ يسرّ بعضهم إلى بعض هذا القول، وهو قولهم: لا يدخل هذا البستان اليوم عليكم مسكين، لئلا يطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه أبوكم.

٢٥ ﴿وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ أي: انطلقوا منفردين عن قومهم غير محافظين لهم ﴿قَادِرِينَ على جنتهم عند أنفسهم.

٢٦ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ أي: قال بعضهم لبعض: قد ضللنا طريق جنتنا وليست هذه، ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم، وأن الله سبحانه قد عاقبهم بإذهاب ما فيها من الثمر والزرع قالوا:

٢٧ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: حرمنا الله ثمر جنتنا بسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها.

٢٨ ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أي: أمثلهم وأعقلهم وخيرهم ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ أي: ألم أقل لكم إن فعلكم هذا من منعكم المساكين حقهم ظلم؟ فهلا تسبحون الله الآن بعد أن تيقنتم أنه بالمرصاد للظالمين.

٢٩ ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ أي: تنزيهًا له عن أن يكون ظالمًا فيما صنع بجنتنا، فإن ذلك بسبب ذنبنا الذي فعلناه في منعنا للمساكين.

٣٢ ﴿إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ أي:طالبون منه الخير راجون لعفوه.

٣٣ ﴿كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ أي: مثل ذلك العذاب الذي بلوناهم به نبلو الكفار بعذاب الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أي: ولكنهم لا يعلمون.

٣٥ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ كان صناديد كفار قريش قالوا: إن صح ما يزعمه محمد لم يكن حالنا وحال المسلمين إلا مثل ما هي في الدنيا [فيكون لنا في الآخرة مثل ما لهم من نعيم الجنة. فيخبر الله تعالى أنه ليس من العدل التسوية بين من يلتزم بطاعته وبين من هو فاجر مجرم لا يبالي بمعصيته].

٣٦ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا الحكم الأعوج، كأن أمر الجزاء مفوَّض إليكم.

٣٧ ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ أي: تقرأون فيه فتجدون المطيع كالعاصي؟

٣٨ ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ أي: هل في ذلك الكتاب أنّ لكم في الآخرة ما تختارون؟

٣٩ ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ المعنى: بل ألكم عهد عند الله حلَفَ لكم عليه أيمانًا استوثقتم بها أن يدخلكم الجنة، ثابتة لكم إلى يوم القيامة لا يخرج من عهدتها حتى يجعل لكم حكمكم يومئذ؟

٤٠ ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ أي: سل يا محمد الكفار موبخًا لهم ومقرّعًا: أيهم كفيل بذلك؟

٤١ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ المعنى: بل ألهم شركاء لله بزعمهم قادرون على أن يجعلوهم مثل المسلمين في الآخرة؟

٤٢ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ يكشف الله عزّ و جلّ عن ساقه دلالة على شدة الأمر. أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا» ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة، ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، لأن أصلابهم تيبس فلا تلين للسجود، لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا، ولا سجدوا له.

سورة القلم

٤٣ ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ تغشاهم ذلة شديدة وحسرة وندامة ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ أي: في الدنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ أي: معافون عن العلل، متمكنون من الفعل. قال إبراهيم التيمي: يدعون بالأذان والإقامة فيأبون.

٤٤ ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ذرني، أي: خلِّ بيني وبينه، ووكّل أمره إليّ، فلا يشتغل به قلبك، فأنا أكفيك أمره. والمراد بهذا الحديث القرآن ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ نسوقهم إلى العذاب درجة فدرجة، حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج، لأنهم يظنونه إنعامًا، ولا يفكرون في عاقبته، وما سيلقون في نهايته.

٤٥ ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ أي: أمهلهم ليزدادوا إثمًا ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي: إن تدبيري للإيقاع بهم قوي شديد فلا يفوتني شيء.

٤٦ ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا أي: هل تطلب منهم ثوابًا على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ المغرم من يحمل غرامة ذلك الأجر، أي: يثقل عليهم حمله لشحهم ببذل المال، فهل طلبت منهم أجرًا فأعرضوا عن إجابتك بهذا السبب؟

٤٧ ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أي: بل أعندهم علم الغيب يكتبون ما يريدون من الحجج التي يزعمون، ويخاصمونك بما يكتبونه من ذلك.

٤٨ ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ يونس عليه السلام، أي: لا تكن مثله في الغضب والضجر ﴿إِذْ نَادَىٰ الله يعزّي نبيه ﷺ ويأمره بالصبر، وأن لا يعجل كما عجل صاحب الحوت، وقد تقدم بيان قصته في سورة الأنبياء ويونس والصافات. وكان النداء منه بقوله: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ أي: مغموم مكروب. [ويحتمل أن المراد: مُقْفَل عليه في بطن الحوت .

٤٩ ﴿لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ وهي توفيقه للتوبة، فتاب الله عليه ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ أي: لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ أي: يذم ويلام بالذنب الذي أذنبه ويطرد من الرحمة.

٥٠ ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ أي: استخلصه واصطفاه واختاره للنبوّة ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي: الكاملين في الصلاح. وقيل: ردّ إليه النبوّة، وشفعه في نفسه وفي قومه، وجعله رسولاً أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، فآمنوا جمعًا.

٥١ ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك على الأرض.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *